آراء حرةسياحة وسفرشرق وغربهايد بارك

الإعلامية اليمنية ريما قاسم النقيس تكتب: مهاجرة في “رسالة”

من الصعب جدا الكتابة الآن، وخاصة عندما تكون فارغ الكلمات، أحيانا نتوه بين حرف وآخر، ولا نستطيع عبور سطر ونقطة.. نغدوا فارغين من كل شيء حتى من ذواتنا.. لا أعلم هل ذلك بسبب الهجرة أم بسبب الأفكار المتزاحمة أم بسبب الانشغال في المستقبل، والبحث عن لقمة العيش.. عندما تجد نفسك صفر اليدين، وفارغ المفردات فلا يسعك إلا أن تمشي خلف التيار، حيثما توجهك الريح وترسو بك رحالك..

لم يكن أمامي إلا أن أحلق خلف سرب من الطيور، تاركة كل شيء ورائي.. لا أعلم إلى أين وجهتي، أو لعلي كنت أعلمها، ولكني كنت أجهل ماتخبئه لي الأيام، بعد أن رست قافلتي في أرض الكنانه.. غدوت ابحث عن شيء تائه مني.. أبحث عن ذاتي.

غدوت أبحث عما هاجرت من أجله.. لكني فشلت.. وكانت أكبر كذبة هي الهجرة.. لم أكن أعلم أني سأعزم على الرحيل، لكن الأيام تمضي مسرعة لأجد نفسي أحمل اسم “مهاجرة” !!

غدوت أمشي حيث تأخذني أقدامي، فاستقريت أقف أمام مبنى “رسالة”.. ذاك المبنى الذي كنت أذهب إليه لآخذ  العلم منه، حتى وجدتني ذات يوم أصبحت متطوعة فيها.. لعلي قبله كنت تائهًا، ولكني اليوم وجدت نفسي فيها.. وجدت ما أبحث عنه.. أن تعمل الخير، وتشعر بسعادة الناس، لهو أفضل من أي عمل.. لعلي لم أجد عملًا إلى الآن.. ولكن عزائي في “رسالة”، فقد وجدت نفسي بها.. فقد علمتني كيف أعطي بلا مقابل.. وكيف أساعد من يحتاج مساعدتي دون أن يطلب.

“رسالة”.. هي رسالة إلى الجميع بأنك تستطيع فعل المستحيل، إذا كانت لديك إرادة قويه.. قد يتساءل البعض عنها: ما هي هذه الجمعية؟ وما هدفها؟ أو ماذا تقدم؟

ولكي أوضح ماهي جمعية رسالة.. سأتحدث عنها ولو بشيء مبسط.. فقبل عام ٢٠٠٠، لم أكن قد عزمت على الهجره، ولم تكن جمعية “رسالة” إلا فكرة طرحت من أستاذ جامعي في إحدى محاضراته يدعى “شريف عبدالعظيم”.. فكرة تغلغلت في عقول طلابه، وتشعبت في الجذور، وشاء القدر أن تتحول هذه الفكرة من مجرد كلمات ألقيت في محاضرة لتصبح حقيقة ملموسة.

الكثيرون رحبوا بالفكرة، والكثير ساهم في ولادتها.. كم من أفكار تجهض قبل الولادة، ولكن رسالة كان لابد من أن تلد بمساعدة الجميع.. فقد تبرع أحدهم بقطعة أرض ليتم إنشاء أول مبنى لجمعية “رسالة” عام ٢٠٠٠؛ أصبحت الآن تحتل مكانة كبيرة.

 

فمن مجرد فكرة تحولت إلى ٦٣ فرعًا على مستوى القاهرة.. يخدم كل الناس.. وجدت نفسي أغوص في رسالة.. لقد أصبحت جزءًا مني أو أني أصبحتُ جزءًا منها.. يصعب فعلا شرح ما تقوم به الجمعية، لكن هذا لا يعني أن نغفل عما تقوم به.. فبعد أن كانت مجرد فكرة أصبحت اليوم تمد جذورها إلى السماء.. فقد فتحت ذراعيها لتساعد أكبر قدر من الناس، يوجد بها مايقارب ٣٦ نشاطًا، تخدم جميع أطياف المجتمع.. بكل ألوانهم وأجناسهم ومعتقداتهم.. بكل حب.. يقوم من فيها بالعمل، والكل يتطوع ويساعد.. يتنقلون داخلها كالفراشات حول الأزهار.. يساعدون هنا، ويقطفون أجرًا من هناك، ويجمعون حسنات من كل مكان.. فيها نعيش كأننا أسرة واحدة برغم اختلاف لهجاتنا وثقافاتنا إلا أننا لا نشعر بهذا الاختلاف أبدًا.. جميعًا كجسد واحد.. لا نعرف التصفيق إلا معا؛ لنهدي غيرنا أجمل ماتحصده أيدينا.. ٣٦ نشاطًا مجانية؛ ما بين قوافل وتعليم وإطعام.

ورعاية ذوي القدرات الخاصة، وإعمار  مساجد، وغيرها الكثير من الأنشطة، لم تعد الجمعية مجرد مبنى يهدف لعمل تطوعي بسيط، بل على العكس لقد أصبحت كبيت العائلة الكبير الذي مهما كبر أبناؤه وتركوه، يعودون إليه راكضين.

عندما دخلتها لأول مرة شعرت أني أنتمي إليها.. أنتمي إلى هذا المكان الذي يبعث في النفس راحة غريبة.. تجعلك تذهب إليها لا تعلم لماذا.. سوى أنك تشعر بالانتماء.

كلماتي لا توفي هذا المكان حقه فعلا.. لذلك أتمنى من من يقرأ كلماتي هذه أن يزورها ليرى بعينيه كيف ولد لنا من رحم الفكرة حياة، ومن يرقات العمل أمل.

ولكن الحق أقول: لقد أحببت كوني مهاجرة في “رسالة”.. كوني وجدت شيئًا يساعدني على إيجاد ذاتي.. إيجاد طريقة أقتل بها أشباح الهجرة.