آراء حرةالنص الخشنشرق وغربفتاوىفن وثقافةمجتمعهايد باركهي وهو

فى مجتمعاتنا.. المرأة القوية رجل

كانت الناشطة السورية سندس سليمان تحضر اجتماعات المعارضة السورية ومعها طفلها الرضيع الذى سمّته «تمرّد». قيل عن سندس إنها النسخة العربية من النائبة الإيطالية السابقة ليسيا رونزولى التى كانت تحضر جلسات البرلمان الأوروبى بصحبة رضيعتها.
إنه خبر منتشر فى مواقع وصحف عدّة، لكن تمكن ملاحظة تكرار تعليق «أخت رجال» من باب مديح سندس، فى كل مكان. إنه «مديح» حازته سيدات كثيرات، إن لقوّة شخصيتهنّ أو لإنجازاتهنّ فى السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع أو الإنسانية. وتاريخيا، عرفت اللغة العربية مصطلح «رجلة» وأيضا «أخت العرب». وقد وردت تعابير مشابهة فى الكتب المقدّسة، مثل «بنت صهيون» أو «أخت هارون» للدلالة على العذراء مريم.
رجلة لأنّ الأنثى القوية بنظر العرب لا يمكن أن تكون امرأة، فكان أن اعتبرت رجلا، إنما مع إضافة تاء مربوطة، من باب احترام النوع الاجتماعى والفروقات البيولوجية. و«أخت رجال» مصطلح استخدم أيضا لأن المرأة لا يمكن أن تكون شيئا إن لم تكن أخت رجلٍ ما أو ابنة رجل ما.
فى المقابل، تتحوّل المرأة التى تقصّ شعرها أو تلبس ثيابا فضفاضة إلى مسترجلة لا إلى رجلة. والفرق شاسع بين الكلمتين، فالرجلة تأتى من باب المديح أما المسترجلة والتى تأتى من وزن «استفعل» فتعنى الافتعال والتصنع. التشبه بالصفات الذكورية كما يُقرأ فى مجتمعاتنا يخضع لمعايير غريبة الشكل، إذ على المرأة أن تتشبه بالرجال شجاعةً وقوة، لا شعرا قصيرا!
لكن لا يخلو الأمر من أن تتحوّل «أخت الرجال» فى لحظة واحدة إلى «مسترجلة» و«فاجرة»، حين تستخدم قوتها بما يضرّ المصالح الذكورية فى المجتمع ويهدد النمط السائد من المفاهيم المسطّحة، بما يعنى أن الرجولة هى الشهامة والفروسية والقوة، أما الأنوثة فعليها فى النهاية أن تخضع لمصير الضعف والهوان واللطف والانسحاق. وإن كانت النساء فى الأساطير القديمة مصدر القوة والخصب والإلهام، فقد سجّلت المجتمعات العربية وغير العربية أحيانا، رجوعا مدوّيا إلى الوراء، فى إسقاط النساء فى مستنقع الضعيفات دائما و«أخوات الرجال» استثنائيا.
حاربت السلطات الأبوية البنطلون الأنثوى منذ أكثر من مئتى سنة، باعتباره خرقا للقوانين السائدة وما كانت تشكله من أمان واستقرار للمفهوم البطريركى فى إدارة الدول والمجتمعات. واعتبر السروال على أجساد النساء تشبّها باطلا ومرفوضا بالرجال، ملوك العالم وأصل كل شيء.
فى القرن التاسع عشر مع ذروة الموجة الرومنطيقية فى فرنسا، أعجبت أورور دوبان بمجالس الأدباء والمفكّرين فى باريس، لكنّ ذلك لم يكن متاحا للنساء، وبذلك تحوّلت أورور إلى جورج صاند، وهى من سلالة سويدية ألمانية استوطنت فرنسا، ولدت عام 1802. فاقتحمت مجالس الرجال بشعر قصير وقبعة رجالية وسروال، وشكّلت صدمة حقيقية لأبناء جيلها. وقد اتخذت أورور أو جورج صاند حيزا مهما فى سلسلة «نساء رائدات» للأديبة اللبنانية الراحلة إميلى نصر الله.
والشعر القصير على رءوس النساء، يسمّى بالفرنسية «آ لا غارسون»، و«غارسون» أى صبى، وتعنى العبارة التشبّه بصبى.
إنه التصنيف الأزليّ، الذى يعتبر الرجولة قوة والأنوثة ضعفا، والرجل كاملا والمرأة نقصا. ويكون عليها فى أفضل الحالات أن تبتسم إذا قيل لها إنها أخت رجال أو امرأة بألف رجل.
يبدو أن الانقضاض على السلطة الذكورية لم يكن متاحا إلا عبر التشبّه بصفات الرجال ودخول مجالاتهم وارتداء سراويلهم. من هنا كان الرد الذكوريّ على ذلك باعتبار المرأة الناجحة أو القوية، مجرد «أخت رجال» أو «مسترجلة».
وقتال السراويل تجدد فى السنوات الأخيرة فى المناطق التى حكمها تنظيم «داعش» فى سوريا والعراق، مع منع النساء من ارتدائها وإجبارهن على ارتداء النقاب الشرعى الأسود، فى محاولة جديدة لمحوهنّ وقمعهنّ. ويتجدد ذلك الآن فى مناطق الحوثيين فى اليمن مع منع النساء من العمل والتعلّم وفرض اللباس «الشرعيّى عليهنّ.
أما النساء اللواتى شاركن فى القتال فى مناطق الأكراد أو المناطق السورية الأخرى، وحملن السلاح ولبسن زى المحاربين، فهؤلاء صنّفهن من يؤيّد فصيلهنّ أو حزبهنّ، «أخوات الرجال»، فيما كنّ بنظر الأعداء «مسترجلات» و«عاهرات». أما الرجال فهم الرجال ما داموا يقاتلون ويحملون قلوبا ميتة وأعينا لا تدمع، وإلا سقطوا مباشرةً وأصبحوا «مخنثين»، «يبكى كالنساء»، «يخاف كالنساء»، «يثرثر كالنساء».
تواجه المجتمعات الذكورية الآن، كمًّا هائلًا من «أخوات الرجال»، النساء اللواتى دخلن السياسة والاقتصاد وأصبحن معيلات لأسرهنّ وأيضا رائدات فى مجالاتهنّ. إنها مشكلة كبيرة حقا، أخشى على الرجال الأفاضل من ألا يستطيعوا مواجهة هؤلاء النساء الرائعات جميعهنّ، بتعبير «أخوات الرجال»، وسيكون عليهنّ قريبا الاعتياد على الأمر، كما اعتدن على السراويل على أجساد النساء والشعور القصيرة فوق رءوسهنّ.

 


للكاتبة باسكال صوما  في موقع درج اللبناني