أخبارألبوماتبالهنا والشفابيزنسهي وهو

أحمد زكي شحاتة يكتب: «الشيف غادة».. حلواني من منازلهم

«اللي بنى مصر.. كان في الأصل حلواني»، كانت العبارة التي وضعتها «غادة» نصب عينيها، وهي تنطلق إلى عالمها الجديد في صناعة الحلوى والجاتوه، كي تستطيع تدبير نفقات بيتها بعد إصابة زوجها في حادث منعه من مواصلة عمله.

في حي القنطرة البيضاء بمدينة كفر الشيخ، عاشت غادة وزوجها عبد المنعم حياة هانئةً، وزادت سعادتهما عندما رُزِقا بطفليهما آدم وأسيل، لكنّ الرياح تأتي دائمًا بما لا تشتهي السفن، حيث تعرض «منعم» لحادث سير خلّف إصابة في يده وساقه منعته من مواصلة عمله كـ«مبلّط سيراميك»، وبعد عدة محاولات طبية وجلسات للعلاج الطبيعي استطاع أن يستعيد جزءًا من لياقته، لكن كان الآوان قد فات، ففي عرف العاملين بطائفة المعمار «البعيد عن العين بعيد عن القلب» لذلك فقد نسيه زبائنه، واستطاع المقاولون الذين كان يعمل معهم من الباطن العثور على صنايعي آخر، فأحسّ أن الأرض هنا ضاقت عليه بما رحبت، فجلس ذات مساء يتدبّر أمره لا يدري ماذا يفعل، فصلّى ركعتين لله تعالى وراح يدعوه أن يلهمَه الصواب، وفتح المصحف وراح يتلو آياتٍ من القرآن لعلّ روحه تهدأ وتتوقف طواحين الفكر التي كادت تعصف بعقله لكنه توقف فجأة أمام آية من القرآن تقول «أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا»، فأحسّ في نفسه الهدوء وسكنت روحه وهدأ روعه وقد عقد العزم على السفر.

 

 

نام ليلته لا يفكر في شيء سوى في السفر، وفي الصباح استقلّ دراجته البخارية وأجرى جولة على مكاتب السفر في أنحاء محافظة كفر الشيخ، حتى عثر على بغيته التي تمثلت في عقد عملٍ داخل المملكة العربية السعودية، في غضون أسبوع كان قد جهّز أوراقه وأعدّ العدة للمغادرة، فودع زوجته وطفليه واستودعهما أمانة لدى الله عز وجل، ثم انطلق.

في يومِ دوامه الأول شعر بأنه ليس على ما يرام، فقال لنفسه لعلّه تأثير التعطل عن العمل لعدة أشهر، وفي اليوم الثاني زاد وجعه، وفي الثالث تضاعف الألم، لكنه راح يجلد ذاته ويتحمل آلامًا مبرحةٍ كلما انحنى ليلتقط بلاطة أو وقف ليلصقها بالحائط، هو مضطرٌ للعمل فقد وضع كلّ مدخراته ثمنًا للعقد، عليه أن يقاوم، مضى شهران على هذا الوضع، حتى خارت قواه ولم يعد يتحمّل العمل لساعة واحدة، فقرر العودة إلى مصر.

عادَ خاليَ الوفاض، لا يحملُ في حقيبتِه سوى خٌفّي حنين، وفي الطريق كانت تشتعل في رأسه عشراتُ الأسئلة: ماذا أفعل وكيف، ولماذا عدت؟!.. وما إن حطّ رحاله حتى استقبلته زوجته بوجهٍ بشوش، وراحت تربّت على كتفيه تواسيه قائلة: «ولا يهمك»!.

 

 

 

بعد أن تناول طعامَه، اصطحبته إلى المطبخ، وراحت ترفع أغطية الأواني لتريه ما بداخلها، ليجد معجون الشوكولاتة، وبعض البيض المخفوق، ومحاليل سكرية، ومكسرات.. وغيرها من الخامات المستخدمة في صناعة الحلوى، وراحت تشرح له.

منذ أخبرها في اتصالٍ تليفوني أنه لم يعد أمامه سوى العودة بعد أن فشلت الرحلة واكتشف أنه لم يَسْتَعِدْ لياقته بشكل كامل، فكّرت في إقامة أي مشروعٍ تجاري يعينهما على مواجهة أعباء الحياة، فكان أول ما فكرت فيه هو مشروع الملابس الجاهزة، وهي تمتلك خبرة في هذا المجال حيث كانت تعمل به خلال فترة دراستها، وكان لها فيه باعٌ طويل، لكنّ مشروعًا كهذا يحتاج لرأس مالٍ، وهمّا بلا مال، وبينما تفكر في مستقبل أسرتها مستبعدةً تمامًا فكرة طلب مساعدةٍ من أهلها الميسورين، حفاظًا على كرامة زوجها.

 

 

 

 

طرقت باب شقتها إحدى الجارات طالبةً مساعدتها في إعداد تورتة لعيد ميلاد طفلها، فراحت تساعد الجارة وتشرح لها المقادير وطريقة الإعداد، خطرت ببالها الفكرة: لِمَ لا تستثمر «شطارتها» في صناعة الحلويات من المنزل وتسويقها بنظام «أونلاين»، وبدأت تعرض خدماتها على الجارات اللائي وجدن في منتجاتِها طعمًا مختلفًا عمّا يشترينه من المتاجر الكبرى، بالإضافة إلى أن منتجاتها رخيصة «على قد الإيد»، وشيئًا فشيئًا بدأت تستقبل الطلبات عبر صفحتها بموقع فيسبوك، وعندما حضر زوجها من سفره كانت قد أسست لنفسها سوقًا خاصةً واجتذبت زبوناتٍ كُثر.

 

 

 

وفي غضون شهور قليلة، استطاعت غادة بحبها لزوجها الذي يدفعها دائمًا إلى الأمام، أن تشكّل منافسًا قويًا لأصحاب المحلات الشهيرة، الذين انصرف زبائنهم إلى مشروعها البسيط، لكنّ أرباحه بالكاد تكفي لسداد إيجار المسكن والإنفاق على الطفلين.

 

 

 

بعد شهور قلائل يستقبل منعم وغادة وافدًا جديدًا، يرفع تعداد عائلتهما إلى خمسة أفراد، استقرّا على تسميته «محمد»، يحدوهما الأمل في أن يحمل الطفل القادم خيرًا وفيرًا لأبويه وشقيقيه.