أخبارألبوماتسياحة وسفرفن وثقافةلايف ستايلمجتمع

الرومانسية الرقمية.. هل أنهت عصر الجوابات الورقية؟

المجتمع أصيب بـ "شيزوفيرينيا".. والعلاقة الإلكترونية جعلت منا "ريبوتات"

الرسالة الورقية تحس بدفء المشاعر بين حروفها.. ورسائل الجوال جافة جامدة

 

القاهرة – عمرو عبدالرحمن:

تعددت وسائل التعبير الإلكترونية عن المشاعر بين المحبين؛ ما بين إنستجرام وفيسبوك وتويتر وواتساب وسيلفي وسناب شات و”SMS” و…… و…..، ولكن هل ساعدت هذه الأدوات التكنولوجية التي تتطور على مدار اللحظة، وحتى أثناء كتابة هذه الحروف، في التعبير بصدق عن المشاعر الإنسانية؟ أم أن عصر الجوابات الورقية التي حملت الكثير من حبر الأحاسيس، والمناديل القماشية التي حملت الكثير من دموع الفراق، قد ذهبت بغير رجعة، ومعها دفء المشاعر الملتهبة وكلمات الغزل الراقية بين زوجة وزوجها وحبيبة وحبيبها، وهي الكلمات التي أصبحت مادة للعرض في قوالب معلبة، جاهزة للنسخ “كوبي بيست”، دون عناء الخوض في تجربة تحسس القلم وهو يرسم الحروف، ويبذل الجهد في انتقاء الكلمات بدقة وخصوصية وكأنها تُكتب لأول مرة ممتزجة برحيق الروح؟!

سؤال استحق الطرح من “بوابة الأمل الإخبارية” على مثقفين وشعراء وكتاب عاصروا عهد الكتابة بكل أدواتها، وصولا إلى مرحلة “الدوت كوم” الذي نعيشه اليوم، في عصر يتسارع بنا وياخذنا إلى حيث لا أحد يدري ماذا بعد! What’s Next!.. فجاءت إجاباتهم كما يلي:

 

  • ورود ميتة ومشاعر باردة!

الروائية المصرية الدكتورة سهير المصادفة، رئيس قطاع النشر بالهيئة العامة للكتاب، ووكيل وزارة الثقافة، ذكرت في مداخلة لها: يقول الكاتب التشيكي الكبير “ميلان كونديرا” في روايته الشهيرة “البطء”: “أين اختفت متعة البطء؟ أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكسالى؟ هؤلاء المتشردون الذين يتسكعون من طاحونة إلى أخرى وينامون تحت أجمل نجمة؟ هل اختفوا باختفاء الدروب الريفية والحقول والغابات الطبيعية”؟

 

التقطت “المصادفة” طرف الخيط من كلمات “كونديرا”، قائلة: لقد أصبحت الكلمات مكتوبة إلكترونية، وجاهزة للإرسال؛ ممَّا يختصر تلك المسافة التي كانت تفصل الحلم وتحقيقه أو المخطوط وإرساله.

ولكنني ما زلت أشعر بالرعب وأنا أكتب مباشرة على شاشة الكمبيوتر حيث أعرف أن كلَّ ما أخطه الآن سيُنشر على الفور، ولن أستطيع استرجاعه مرة أخرى من السديم الإلكتروني، هذا الرعب يشبه كثيرًا رعب مَن يتكلم قبل أن يفكر.. وأظن أن هذا الرعب ناتج من معرفة أن الكتابة عبر أزرار الكمبيوتر توفر كلَّ شيء لراحة الكاتب فيما يُسمى بعملية التحرير، من سهولة قص ولصق الجمل التي يريد تغييرها أو حذف بعض الكلمات وإضافة أخرى؛ ممَّا يؤدي إلى سرعة إنجاز النص، وأظن أن أكثر ما يرعبني هو فكرة السرعة هذه، لأنني أعرف أن النص يحتاج إلى هواء نقي يتنفس فيه. أعنى فترات الصمت التي يملؤها قدر من التأمل في حالة الكتابة التقليدية بالقلم، أعني لحظات البطء التي تصاحب تأمل الحروف وهي تتشكل كلماتٍ … لحظات التأمل التي تتناسل منها الأفكار والمشاهد بمشاعرها المتباينة، ذلك البطء الذي تتزايد معه طرديًّا قوة الذاكرة.

 

استرسلت قائلة: الرسائل الإلكترونية بين المحبين تُشبه كثيرًا في أبجديتها فكرة الكمبيوتر القائمة على عدديّ؛ الصفر والواحد، فرغم ما يتيحه من حروف أبجدية تبدو كاملة ومطابقة للأبجدية التي كُتبت بها الرسائل الخالدة منذ زمن، إلا أنها تبدو مختلفة في الوقت نفسه، فهي خادعة من فرط جاهزيتها وخلوها من المشاعر، وكونها محايدة ومستسخة، فهي باردة، لا تعرف التردد أو اللعثمة أو طزاجة المشاعر وهي تحاول الخروج إلى الورق بعد تأمل طويل.

ويبدو أن مبرمجي الإنترنت يعرفون ذلك جيدًا، فهم يسارعون إلى الوصول بمشاعرنا إلى لغة الكمبيوتر الرقمية نفسها بطرحهم “إيموشنز” لكلِّ حالات التعبير، حتى لا يتعب المحبون أنفسهم باستخدام اللغة وإيجاد كلمات تستوعب مشاعرهم، بل يستعيضون عنها بقلوب حمراء وورود بلاستيكية ميتة ووجوه صفراء ضاحكة أو باكية أو حتى مصابة بالغثيان!

 

  • علاقات إلكترونية

 

الشاعرة والأديبة الدكتورة نجلاء نبيل، عضو اتحاد كتاب مصر، أخذت نفسا عميقا، قبل أن تبوح بإجاباتها قائلة: مما لا شك فيه أن النفس البشرية هي نفس غاية في التعقيد، فمهما وصلنا لدرجات علمية عالية فلن نستطيع الجزم بأننا قد وصلنا لحل اللغز ولو بالقليل عن ماهية النفس البشرية، حيث أننا لا يمكن أن نتوقع ردود فعلها عند بعض الناس بنسب متساوية، فلكل منا كم من الإحتمال لا يتساوى مع الآخر عند تعرضه لنفس الظروف التي مر بها غيره.

 

واصلت “نبيل”: الأمر الآن أصبح أكثر تعقيداً عن ذي قبل، فلقد أثرت مواقع التواصل الإجتماعي بشكل ملحوظ بل ومرعب على الشخصية البشرية بوجه عام وعلى الشخصية العربية بوجه خاص، ومن مظاهر هذا التأثير وأخطرها هو التأثير العاطفي والذي يأخذ المرتبة الأولى من حيث الخطورة بعد الفكر المتطرف في توجيه المجتمع، فكلاهما يؤدي إلى تمزيق العقل والجسد العربي والإنهاء على القيم التي تربينا عليها، فمن غير المقبول أن نتناسى ديننا وقيمنا لإرضاء غرائز من شأنها أن تدمر كياننا وتاريخنا الحافل بالعزة والشرف.

 

أضافت: ولكن يتبقى لنا كلمة بشأن دور مواقع التواصل الإجتماعي في التعبير عن المشاعر والرقي الفكري والعاطفي بعيد عن الإسفاف الغرائزي؛ الحب علاقة راقية لم يحرمها الله ولم يبغضها بل هو لغة التقارب الروحي بين البشر بعضهم بعضاً، ويختلف التعبير عن الحب حسب ثقافة الفرد والبيئة المحيطة به وطريقة عبادته لله.

 

فنجد أن الحب في العصور السابقة يختلف كليًّا وجزئيًّا عن الحب في عصرنا هذا.. الحب هو احتواء المحب لمن أحب وهو الرئة التي يتنفس بها أوكسجين نقى من نظرة حانية لمحبوبه.. الحب يرقي أحيانا ليكون منزهاً عن النواقص كحبنا لله وفي الله الذي يجعلنا نرتقي بحبنا للبشر ويجعل من قلوبنا سكناً لمن نحب.

 

وتكمل: اليوم وبكل أسف أصبح للحب تعريف آخر بعد تداخل الفكر الغربي بالقلب العربي لينتج لنا نفسا بشرية غير معروفة الهوية.. فلقد كان الحب سابقا نظرة على استحياء للمحبوب للحفاظ عليه من كل ما يمكن أن يشوبه.. كانت الفتاة عندما يدق قلبها لا تفصح عنه، بل ومن الممكن أن تميت هذا الإحساس بداخلها متعمدة وهي راضية حفاظاً على سمعة عائلتها.. وكان الشاب يحاول لفت أنظار الفتاة بكل أدب واحترام حتى لا يجرح مشاعرها وينقص من كيانها كأنثى راقية.. الميديا خلقت لنا نوعًا جديدًا من الحب بين الشباب والفتيات بل والرجال أيضًا !

 

الحب الآن على الميديا حوار، ومن ثم يتطور إلى ما هو أخطر، نسأل الله العافية لنا ولكل شبابنا.. فلو قارنَّا مقارنة بسيطة بين الحب قديمًا والحب بعد الميديا سنجد شيئًا صادمًا.. الحب قديمًا كان يبدأ بنظرة خلسة، تتلوها زيارة منزلية من أهل الشاب لخطبة الفتاة التي أحبها.. ثم نظرات غزلية من الشاب لخطيبته التي ستصبح زوجته عما قريب، وهي ترد له بعضَ هذا الحب بواسطة كلمة تكتبها بكل رقي واتزان أو منديل قماشي معطر ومكتوب عليه اسمها !

 

كان الحب عاطفة جميلة غير مانراه الآن، فالحب أصبح سلعة تباع وتشترى.. الفتاة الآن تحب السيارة والفيللا ودفتر الشيكات، وألقت بقلبها بعيدًا عن حبها.. والشاب تجرد من النخوة والغيرة وأصبح كيان هش يحب جسدًا بلا روح، أنثى مغرية مجردة من العاطفة الراقية.. ثقافة الحب اختلفت فكل شيء أصبح “تيك أواي” في علبة مبهرة، ولكن ما بداخلها محتوى فارغ من الفائدة.

 

لقد أصبح الأمر الآن غريبا، وكأن المجتمع أصيب بانفصام الشخصية “الشيزوفيرينيا”.. نجد الرجل يحب زوجته ومتمسكًا بها ولكنه ينجذب لحساب إلكتروني يرتبط فيه بـ “أحببته”.. ويعاتبها بـ”أغضبني”.. وينهي العلاقة معها بالـ “بلوك!”.

 

هذه هي العلاقة الإلكترونية والتي جعلت منا “ريبوتات”، أصبحنا نهرب من واقع حزين لنعيش واقع ممسوخ كآلة تريد الحياة بلا روح.. حتى المرأة العربية وجدت من الميديا متنفسًا لها، فكل ما حُرِّم عليها فعله من علاقات إنسانية واجتماعية وثقافية تثبت فيه ذاتها أصبح الآن تحت إمرتها بكبسة زر.

 

إنه من غير المقبول أن نتناسى ديننا وقيمنا لإرضاء غرائز من شأنها أن تدمر كياننا وتاريخنا الحافل بالعزة والشرف.. ولكن يتبقى لنا كلمة في مدى دور مواقع التواصل الاجتماعي في التعبير عن المشاعر والرقي الفكري والعاطفي بعيد عن الإسفاف الغرائزي.

 

 

الحب علاقة راقية لم يحرمها الله، ولم يبغضها، بل هو لغة التقارب الروحي بين البشر بعضهم بعضًا.. ويختلف التعبير عن الحب حسب ثقافة الفرد والبيئة المحيطة به وطريقة عبادته لله.. فنجد أن الحب في الماضي البعيد والقريب يختلف كليًّا وجزئيًّا عن الحب في عصرنا هذا.. فالحب هو احتواء المحب لمن أحب وهو الرئة التي يتنفس بها أكسجينًا نقيًّا من نظرة حانية لمحبوبه.

 

الحب من الممكن أن يكون منزهًا عن النواقص، فحبنا لله يجعلنا نرتقي بحبنا للبشر ويجعل من قلوبنا سكنًا لمن نحب.. الحب علاقة عجيبة، مثله مثل رحلة عبر الفضاء بين النجوم لعاشق يمسك بيد معشوقته، يحنو عليها بقلبه النابض يهبها الحياة.. الحب طائر يطير بنا على جناحيه، يعلو بنا فوق السحابات، ويلامس بأرجله ماء البحار.. الحب حياة على ضفاف نهر عذب وغدير يعزف مقطوعة حياة وفراشات تتراقص على نظرة لامعة لعين عاشق.

 

لكن اليوم، وبكل أسف أصبح للحب تعريف آخر بعد تداخل الفكر الغربي بالقلب العربي لينتج لنا نفسا بشرية غير معروفة الهوية.

 

فلقد كان الحب سابقًا نظرة على استحياء للمحبوب للحفاظ عليه من كل ما يمكن أن يشوبه.. كانت الفتاة عندما يدق قلبها لا تفصح عنه، بل ومن الممكن أن تميت هذا الإحساس بداخلها متعمدة وهي راضية حفاظاً على سمعة عائلتها.. وكان الشاب يحاول لفت أنظار الفتاة بكل أدب واحترام حتى لا يجرح مشاعرها وينقص من كيانها كأنثى راقية.

 

الميديا اخترعت لنا نوعاً جديداً من الحب بين الشباب والفتيات بل والرجال أيضاً.. فلو قارنا مقارنة بسيطة بين الحب قديماً والحب بعد الميديا سنجد شئ صادما.. الحب الآن على الميديا صار مجرد حوار كثيرا ما يتطور إلى ما هو أخطر نسأل الله العافية لنا ولكل شبابنا.

 

الحب قديماً كان يبدأ بنظرة خلسة تتلوها زيارة منزلية من أهل الشاب لخطبة الفتاة التي أحبها . ثم نظرات غزلية من الشاب لخطيبته التي ستصبح زوجته عما قريب وهي ترد له بعض هذا الحب بواسطة كلمة تكتبها بكل رقي واتزان أو منديل قماشي معطر ومكتوب عليه اسمها.. كان الحب عاطفة جميلة غير مانراه الآن فالحب أصبح سلعة تباع وتشتري . الفتاة الآن تحب السيارة والفيلا ودفتر الشيكات والقت بقلبها بعيدا عن حبها . والشاب تجرد من النخوة والغيرة وأصبح كيانًا هشًّا، يحب جسدا بلا روح أنثى مغرية مجردة من العاطفة الراقية . ثقافة الحب اختلفت فكل شئ أصبح تك أوي في علبة مبهرة ولكن ما بداخلها محتوى فارغ من الفائدة.

 

في النهاية، تختتم “نجلاء نبيل”: يجب علينا جميعا أن نزرع الحب مرة اخرى في حياتنا وحياة احبابنا ليزهر أرقى الزهور ببستان الحياة.

 

  • زمان الفيروز وليالي القمر

“الفارق بين الحب في عصر الخطابات الورقية ومداد الحبر وبين مشاعر الرسائل الإلكترونية ، كالحب في زمن الإغريق والحب المعدني في عصر التطور الذي نعيشه حاليا”، هكذا دشنت الأديبة والشاعرة اللبنانية “زيزي ضاهر” مداخلتها الشيقة، معبرة عن التوق الشجي للهروب إلى زوايا الحنين التي سكنت أروقة الماضي الجميل.

 

استفاضت بقولها: دائما يأخذنا الحنين الى ذاك الزمان الجميل حيث نعيش عالم الصدق المفعم بالأحاسيس الصادقة . لم تكن هناك وسيلة للقاء إلأحبة غير البحث عن خيالهم والوقوف على الأطلال لرسم معالمهم عبر أوراقنا البيضاء التي تحمل أسمى معاني الحب والوفاء . كان كل شيء له حياة، له رائحة حتى الدموع كانت تتكلم . لم يكن صوتنا آليا ولا عيوننا أزرارا علي الفايسبوك . كانت لغة العيون تتكلم وأنامل اليد تكتب الحب وتتبادله بصدق . كنا أقرب إلي عالم الصدق المفعم بالاحاسيس الصادقة . بعيدا عن فلسفة البشر مع آخر قصيدة لعاشقين من بوابة الزمن الجميل . كم أتمنى أن أولد في زمن لم يعطِ جماله لأي زمن حيث تولد القوافي مسافرة إلى حضن القمر.

 

واصلت ” ضاهر”: جاءت التكنولوجيا ومحت كل أشياءنا الحميمة بألة صلبة وقضت على تقاليدنا وأصول مجتمعنا . لم نعد ننتظر بزوغ الفجر لنحيك حكايات حبنا لأن هناك من يطبعها على وسائل التناقل فنتقاذفها بلا كد أو تعب . ولم تعد تلك الجارة تقرع بابي لأكتب لها رسالة حنين لزوجها في بلاد الغربة هناك، فعبر ذلك اللوح الألي غاية الطلب فلا داعي لارسم تلك الأحاسيس الحلوة في أهداب عيون جائعة إلى الحب، ولماذا يكتبها هذا الآلي؟؟ دعها تموت ببطء وترحل كسحاب من مكان إلى مكان.. ولمن أكتب؟ وحبر أحلامي لا يُشتَرى.. ومطبعة أقفلت أبوابها لأن من كان يقرأ لم يعد لديه وقت، فأصدقاء الصفحات ينتظرون الاعجابات والتعليقات!

 

أسندت رأسها إلى وسادة من “النوستالجيا” المخملية واسترجعت ذكرياتها بحنين إلي الماضي: ما زلت اذكر ذاك المصور الذي يتأفف وهو يحاول إجلاسي كما يريد ليأخذ لي صورة للذكرى وونتظر طويلا ليأتي دورنا.. أما الآن تحملني آلاف الصور ولكن دون لون وإحساس.. هناك أشياء جميلة دافئة لا ننساها؛ افتقدناها.. نتمناها.. نشتاقها.. ما زال فينا ذاك النهر الدافق يجري لأننا عشناها بأدق تفاصيلها أيام غنتنا “فيروز” رائعتها الرحبانية “يا مرسال المراسيل”.. وترنمت أجسادنا على “أغدا ألقاك” للست “أم كلثوم” وغرقنا بشوق في بحار العندليب الأسمر.. وكتبنا من وحي حروفهم الساحرة كلمات حفرت على كف باطن الأزل.

 

وتساءلت: ترى هل يعي هذا الجيل معنى ما عشناه من معنى وكيف افقدتنا تلك الآلية ترابطنا وتراثنا وكل ما كان يجمعنا!؟، ولو رجعنا للسبب فإننا نجده بعيدا عن الرومانسية بل هو ميل عقولنا للراحة والكسل والهروب من قلق الإنتظار . لقد انتصرت تلك الآلة  الصماء على أنغامنا وقضت على روابطنا ومكان الروح زرعت قلباً بلاستيكياً لا ولن يفهم مرسال السيدة فيروز يوما ولا يبلغ حيث هاجر الحب مع باقة من أحلام الماضي البعيد وجدائل شعر مغزول في عيون تشتهي ضم السماء بين رموشها كي تعود إلى هناك حيث كتب الحب أولى حروفه على صفحات أجدادنا!

 

لازال يأخذنا الحنين إلى ذاك الزمان الكلاسيكي وأن نعيش بين طيات حروفه حالمين أن نولد هناك في أول سطوره ونحفر أحلامنا على شرفة القمر مثل حبيبان خرجا من عصر الرواية في عصر سافرت فيه القصيدة دون زخرفة الحب القديم واختفت حزينة دون بلوغ ذروة الحلم.

 

حين كانت الخطابات من ورق ومداد، لم يكن صوتنا تحمله آلة تسجل أحاسيسنا وتكتب أشواقنا دون ملل ولا كانت عيوننا معلقة بكلمات مبعثرة من صنع محرك يجمع الناس على صفحاته دون حرارة وشغف، لا شيء فيه حي، مجرد وهم يباع لمن يريد شراء الحب دون سبيل.

 

أكملت: في الماضي الجميل كانت لغة العيون تتكلم وأنامل اليد تكتب الحب وتتبادله بعيدا عن عالم التواصل الاجتماعي.. حرا مجبولا بالحب والكبرياء.. يحرك القلب دون موعد وإنذار.. لكن هذا العصر الجميل لم يدُمْ.. رحل مثل غيره من الأشياء الجميلة الحية.. وأصبحنا لا نلتقي إلا على أصوات أعدت لنرددها دون شعور.. لم يعد هناك اكتفاء بين قلبين بل أصبحت القلوب تتنقل من صفحة إلى أخرى بعيدا عن عالم الحب الخالد.. باختصار  أصبحنا نستنسخ الحب دون شعور بهذا الشيء العظيم الذي وهبناه ربُّنا وهي المودة الإنسانية الخالصة.. رحل الحلم الحقيقي واختفى بين أزقة التائهين في عصر الرواية.

 

من عاش هذا العصر مؤكدٌ لا زال يجري باعماقه ذاك النهر الدافق لأننا عشناه بأدق تفاصيله، لكن يا تُرى؛ هل يعي هذا الجيل معنى ما عشناه من بساطة وعفوية وافقدتناه تلك الآلات الرقمية “ديجيتالية”.. ومعها غاب ترابطنا وتراثنا.

 

واختتمت “زيزي ضاهر” إطلالتها الرومانسية: رغم كل هذا الزيف الملون وزخرفة الحروف؛ سوف أظل أكتب الحب في كل قصيدة وكل رواية آملة في أن يعود هذا الحب الجميل علي أجنحة حروفي قبل أن تسرقني آلة الزمن.. سوف أكتب هذا العهد الخالد الذي عشته – ولازلت – في كل قصيدة تحفرها أناملي وفي كل رواية يكتبها قلمي بمداد قلبي الذي يشتاق دوما العيش في أحلام الزمن الجميل وروحه الحلوة مثل ألف ليلة من ليالي القمر.

 

  • شهادات إلكترونية – حية

 

بطرح التساؤل ذاته على صفحات موقع “تويتر  twitter” جاءت الردود كمفاجأة حلوة، فالذين عاشوا العشرة سنوات الأخيرة من حياتهم معلقة أعينهم بشاشات الهاتف الذكي وألواح الكتابة “الكي بورد”، باحوا بحنين طبيعي لعصر ربما لم يعشه معظمهم أو عاشه البعض منهم قبل أن يستغرقهم عصر المشاعر الآلية المعلبة، سابقة التجهيز!

 

  • التعليقات التالية تكشف المزيد:

 

– نجود إبراهيم @njdibra: “خطاباتي الورقية القديمة من أيام الدراسة لابن الجيران لازلت أحتفظ بها بين ملابسي القديمة”.

 

– عالم الفن @Artfn7: “مهما اخترعتوا من برامج تواصل تبقى الرسائل الورقية لها لذّة عظيمة”.

 

– رفاق الفن @ Artpainters: “صدقوني أو لا تصدقوني.. مازال القلم الحبر ودواته القديمة على أرفف الشانيو بغرفة مكتبي”.

 

– @abrar_alhussin : “لازلت اعتز برسائل الورق وارسل لعناوين مجهولة ممكن توصل أو تبقى كبريد تائه”.

 

– ريم @rem3saf : “الرسايل اصبحت ماضي دفين والقلم يجري على الصفحة حزين………”.

 

– @3zzaz : “الرسائل الورقية آنذاك لها لون ورائحة… وما يميزها أنها (تشرب) ماء العطر؛ فتثمل الحروف !”.

 

– صالح السكيتي @alfares_1417: “الرسالة الورقية عندما تصلك من شخص عزيز لديك تحس بدفء المشاعر بين حروفها وتشم فيها عبق من تحب أما رسائل الجوال فتبدو جافة جامدة”.