آراء حرةأخبارأمومة وطفولةشرق وغربفرسان الإرادةفن وثقافةمجتمع

محمد أبو المجد يكتب: إيفلين.. روحٌ تأبى الغياب

كالراهبات الزاهدات، أمضت الحسناء السويسرية إيفيلين بوري حياتها من أجل تنمية وتطوير بلدة غير بلدتها، وخدمة ناس ليسوا ناسها. لوجه الله والإنسانية كان عملها خالصا مخلصا.. هكذا يكون الناسكون.. لا نريد منكم جزاء ولا شكورا.. رضا الخالق هو الهدف الأوحد.. من هنا لا يضيرهم نكران أو جحود.

ذكرتني حياتها بالصوفية الكبيرة “رابعة”، فقد عاشت عيشة رقيقة، كما الفقراء، وسخرت ساعات يومها من أجل إسعاد الآخرين، وإدخال البسمة إلى قلوبهم.. ثم لبت نداء ربها عن 85 عاما. لهذا كان خروج عشرات الآلاف من أهالي الفيوم لتوديعها إلى مستقرها الأخير، تعبيرا عن الجمال الذي زرعته إيفلين في أرواح “الفيايمة”.. كثيرون من الكبار وذوي المناصب والنفوذ لم يخرج لتوديعهم أنفار قليلة، لا تتعدى أصابع اليد.. هذا هو الحب الإلهي.. إذا أحب الله عبدا، نادى مناد: إني أحب عبدي فلانا فأحبوه، فلا يبقى حجر ولا شجر إلا أحبه.

 

تركت إيفيلين بوري، إرثا عظيما من الفنون، والإنسانيات.. والكرامات. خاضت السويسرية إيفيلين بوري التي لقبها سكان قرية تونس الواقعة على أطراف الفيوم بـ “أم أنجلو”، تجربتها الفريدة في التنظيم المجتمعي في قرية “تونس”، عبر مدرستها الشهيرة، فحوّلت القرية النائية الواقعة على أطراف الفيوم إلى وجهة سياحية عالمية.

 

تقول روايات الأهالي: ولدت إيفيلين بوري التي أمضت في قرية تونس حوالي 56 عامًا، واعتبرتها وطنها البديل، في سويسرا عام 1936، وجاءت إلى مصر برفقة والدها وعمرها 28 عامًا، درست فن الخزف أكاديميًا، وعملت برفقة الفنان والمعماري المصري الشهير رمسيس ويصا واصف. بدأت إيفيلين بوري رحلتها الفريدة والملهمة مع قرية “تونس” الريفية النائية منذ حوالي 56 عامًا، حين اصطحبها زوجها السابق سيد حجاب في رحلة للاسترخاء في أجواء ريفية هادئة عام 1965.

 

انبهرت السويسرية الشابة بطبيعة القرية الخلابة وجذبتها طقوس الريف البدائي الساحر؛ فقررت الاستقرار به وبنت منزلًا صديقًا للبيئة من الطين، اعتمد إضاءته بـ “لمبة الجاز” على غرار أهالي قرية تونس.

 

عاشت الفنانة السويسرية إيفيلين بوري، بين فلاحي القرية وفتحت لهم منزلها.. افترشت الأرض إلى جوارهم، واستخدمت الكليم ولمبة الجاز البدائية كما استخدموها لتبديد عتمة ليلهم.. ملأت مياه منزلها من طلمبات المياه الجوفية مثل فلاحات القرية، وارتدت جلبابهن الريفي البسيط، تحدثت بلهجتهن العفوية البسيطة، وفتحت لهم منزلها حتى بادلوها هذه المشاعر وفتحوا لها منازلهم واعتبروها واحدة من أهالي القرية حتى أنهم لقبوها بـ “أم أنجلو” على غرار نساء القرية.

عمل الأطفال والنساء إلى جانب رجال القرية في صناعة الخزف ألهمها إلى بناء مدرسة فنية – مجتمعية، للفخار إلى جوار منزلها البسيط، أضحت لاحقًا أحد معالم القرية التي تحولت بفضلها إلى وجهة فنية وسياحية عالمية؛ ذات صباح باكر، خرجت إيفيلين لتجول شوارع القرية وتستنشق هوائها؛ فوجدت بمجموعة من الأطفال يجلسون على حافة إحدى الترع، ينحتون طيورا وحيوانات وزهورا بالطمي الموجود على حافة الترعة، فقررت توظيف مواهبهم الساحرة عبر خبراتها كخزافة.

 

كانت 56 عامًا أمضتها إيفيلين بوري في قرية تونس كافية لجعلها نموذجا أيقونيا للعطاء يحتفي به كل سكان القرية الذين عرفوها عن كثب؛ إذ وظفت الأيادي العاملة بالقرية المعتمدة على صناعة الخزف والفخار عبر مدرستها الشهيرة؛ حتى تحولت أعمال معظمهم إلى قطع فنيًا ساعدتهم على عرضها في معارض دولية.. وبهذا نقلت قرية تونس من البدائية إلى العالمية.

 

وداعا إيفلين.. وأتوقع من مصر تكريمًا لائقًا لعاشقة المحروسة؛ السويسرية الجميلة.