أخبارألبوماتأمومة وطفولةالنص الخشنفن وثقافةهي وهو

أحمد زكي شحاتة يكتب: حكاية بنت اسمها «روز».. عشقت مصر فأطلقت 6 إصدارات صحفية

شهدت مدينة طرابلس اللبنانية عام 1898م، حالة ولادة متعثرة لأم شابة تدعى «جميلة» في حملها الأول، وبدأت محاولات كثيرة لإنقاذ الأم، لكن القدر كان أقوى وشاءت إرادة الله أن تذهب الأم ويبقى الجنين مولودة نحيفة أسموها «فاطمة» قدمت إلى الدنيا وقد فقدت أمها.

ولأن والدها محمد محيي الدين يوسف كان تاجرًا كثير الترحال، فقد عهدَ بمولودته إلى إحدى الأسر لتنشأ في كنفِها مقابلَ مبلغٍ شهري، ولأن الأسرة كانت مسيحية فقد رأوا أن ينادوا الطفلة باسم «روز».

الأسرة البديلة

وبعد عدة سنواتٍ انقطع الراتب الشهري الذي كان يرسله الأب، فبحثت الأسرة الكفيلة عنه لتكتشف وفاته خلال إحدى رحلاته التجارية إلى تركيا، وبقيت «روز» في كنف الأسرة ولا تعرف شيئًا سوى أنها ابنتهم، واضطرتهم الظروف إلى الهجرة للبرازيل، ولكنهم رأوا أن يكشفوا للفتاة حقيقة شخصيتها وأن تختار هي بنفسها الهجرة معهم أو البقاء، فآثرت إن تغادر معهم حيث لا تعرف لها أهلًا غيرهم.

 

صورة نادرة لـ إحسان عبد القدوس مع والدته روز اليوسف وأخته آمال طليمات -  اليوم السابع

 

الإسكندرية

وفي مدينة الإسكندرية، عروس البحر الأبيض المتوسط، رست الباخرة التي أقلعت من بيروت في طريقها إلى البرازيل، بعض الوقت للتزود بالوقود، أطلت الفتاة من سطح المركب فرأت الفنار التاريخي والبنايات العتيقة التي تقف شاهدةً على هذه المدينة ذات السمة الكوزموبوليتانية، فأعجبتها وودت لو أقامت بها، فأسرعت إلى أمها الكفيلة واسرّت لها برغبتها، وبعد مشاورات مع رب الاسرة سمحوا بالنزول على وعدٍ بأن تبقى على تواصلٍ معهم والسفر للحاق بهم إن لم تجد متعتها هنا.

في الإسكندرية، عاشت في كنف إسكندر فراج صاحب الفرقة المسرحية المعروفة، ثم انتقلت إلى القاهرة، وتتلمذت في الرابعة عشرة من عمرها على يد عزيز عيد، الذي كلف أحد المشايخ بتعليمها اللغة العربية، وأخذ هو علي عاتقه تعلمها اللغة الفرنسية، وبدأت مشوارها في التمثيل المسرحي بالأدوار الصغيرة وكانت الانطلاقة الحقيقية لها في دور الجدة بمسرحية « عواطف البنين»، ثم واصلت الانطلاق حتى انضمت غلى فرقة الريحاني وحصلت على أعلى أجرٍ لممثلة في ذلك الوقت 70 جنيها شهريًا، وكانت تتقدم في دراستها بالتوازي مع عملها في المسرح.

اعتزال وعودة

وبعد أن حققت شهرتها في الفن قررت التوقف، لكنها لم تعزل الحياة العامو، فبقيت مساندة لسعد زغلول وحزب الوفد وانخرطت إلى حدٍ كبير في العمل السياسي، بعد سنواتٍ طويلةٍ من اعتزالها الفن، لبّت نداء الوطن وقررت إعادة عرض مسرحيتها «غادة الكاميليا» لليلتين متتاليتين وتخصيص إيرادها لصالح ضحايا الحريق الكبير الذي التهم قرة محلة زياد في محافظة الغربية.

ما إن شاع بين الناس أن «فاطمة اليوسف» ستعود إلى المسرح حتى توافدوا زرافاتٍ ووحدانًا على منافذ التذاكر التي طُرحت وقتها بأرقام فلكية لصالح ضحايا الحادث، وامتلأت القاعة عن آخرها وقدّمت «روز» العرض لآخر مرة.

ميلاد «روز اليوسف»

بعد انتهاء العرض، جلست فاطمة اليوسف في محل «حلواني كساب» مع أصدقائها زكي طليمات، ومحمود عزمي، وإبراهيم خليل، وأحمد حسن، واقترحت عليهم إصدار مجلةٍ فنيةٍ هدفها الرد على مجلة الحاوي التي تهاجم الفنانين دائما، فأعجبتهم الفكرة، وبدأوا في طرح خياراتٍ لاسم المجلة، حتى هتف أحدهم فجأة مستعيرًا عبارة عالم الطبيعة اليوناني الشهير أرشميدس، قائلًا: «وجدتها»، فالتفتوا إليه ليضيف «لأن روزا صاحبة الفكرة، لمَ لا نطلق اسمها على المجلة»، صفقوا للفكرة واتفقوا على التنفيذ.

واتخذت السيدة فاطمة اليوسف من منزلها مقرًا مبدئيًا للجريدة، ليتحول إلى خلية نحلٍ يعمل أعضاؤها بدأبٍ وثبات حتى صدر العدد الأول في في 26 أكتوبر 1925م، ويحظى بقبول شعبي غير معتاد، لا سيما وان المجلة تبنت حرية الرأي منذ صدور العدد الأول، إلى حد انتقاد روزا نفسها على صفحات مجلتها، حيث ولدت حرية الرأي في المجلة منذ صدور عددها الأول؛ حيث كتب إبراهيم عبد القادر المازني مقالًا على صفحات روز اليوسف ينتقد فيه مؤسستها وصاحبة فكرة إنشائها لأنها اقتحمت مجال الصحافة الذي يصعب علي الرجال أنفسهم اقتحامه، وردت روز عليه في نفس العدد، كما كتب فيها كل من عباس محمود العقاد، وعبد القادر حمزة، ومحمود تيمور، وأحمد رامي، وعبد الرحمن صدقي وغيرهم من كبار الكتاب.

إصرار وتحوّل

وما لبث المجلة أن اتخذت طابعًا سياسيًا ولم تعد قاصرة على طرح محتوى فني فقط، وتبنت موقف حزب الوفد لفترة ما لكن ما إن بدأ الوفد يأخذ مسلكًا مغايرًا بعض الشيء حتى بدأت بمهاجمته، وبعد فترة تعرضت المجلة لانتكاسة كادت أن تعصف بها حين غادرها التابعي والأخوان مصطفى وعلي أمين فتوقع الجميع أن المجلة ستسقط بانسحاب هذا الثلاثي العبقري، لكن المارد الذي يسكن المراة القوية روز اليوسف استطاع تحدي كل الصعاب والإبقالء على المجلة.

 

فاطمة اليوسف أو حكاية سيدة عربية استثنائية من القرن العشرين | اندبندنت عربية

تزوجت روز اليوسف من الفنان محمد عبد القدوس وانفصلا بينما كانت لا تزال حاملًا في طفلها الذي أصبح فيما بعد الكاتب الشهير إحسان عبد القدوس، ثم اقترنت بالفنان زكي طليمات لعشرين عاماً، وأنجبت منه ابنتهما آمال، وأخيرا تزوجت بشخص يدعى قاسم أمين، يخلط كثير من الكتاب بينه وبين قاسم أمين صاحب حركة تحرير المرأة ومؤلف كتاب المراة الجديدة، لكنه كان شخصا آخر غيره، بقيت في عصمته حتى توفيت في مثل هذا اليوم 9 أبريل عام 1958م، بعد أن أطلقت 6 إصدارات صحفية بقي منها اثنان حتى اليوم هما «روز اليوسف» و«صباح الخير».