آراء حرةهي وهو

‘بنتين من مصر’.. الوجه الآخر للعنوسة

“العنوسة” قضية تشغل بال الكثير من الفتيات، لا سيما أولئك اللائي تخطين سن الزواج، يبدأ تفكيرهن ينحصر في مستقبل غامض بانتظارهن بلا رفيق درب أو طفل يملأ عليهن حياتهن، بعضهن يدخل في حالة نفسية سيئة، وأخريات يلملمن شعاث أنفسهن ويركزنّ جهودهن في العمل أو التطوع في أوقات الفراغ لأداء أعمال خيرية، وقليلات منهن يفكرن خارج الصندوق فيتجهن إلى الدراسات العليا وتحقيق مركز علمي مرموق، فيقضين اليوم كله مستمتعات بصخب الحياة وزحام الشوارع، لكن ما إن يدخلن بيوتهن حتى يشعرن ببرودة الوحدة وقسوة الجدران الأربعة فيهجرهن النوم وتداهمهن كوابيس اليقظة.
“بنتين من مصر”، أحد الأفلام التي نجحت في تسليط الضوء على ظاهرة العنوسة، هاجمه النقاد وقتها، لكن الحقيقة أن صناع العمل كان لديهم بُعد نظر لاستشراف الرؤى المستقبلية، حيث عاب النقاد وقتها ن تكون إحدى بطلات العمل “صبا مبارك” تتمتع بقدر كبير من الجمال وتحمل لقب عانس في سن الـ30، لكن ما أراد صناع العمل وقتها إلقاء الضوء عليه هو تهيئة المجتمع لما هو آتٍ “عنوسة الجميلات”، وهو بالفعل ما نراه اليوم واضحًا بشدة بعد مرور عقد واحد على إنتاج الفيلم.
الفيلم نجح في رصد الظاهرة بشكل تراجيدي، فحتى الفتاة “زينة” المجتهدة والمتحققة عمليًا والتي تضيف في كل عام درع تكريم جديدة إلى الحائط الذي خصصته في غرفتها لتعليق شهادات التفوق وهدايا التكريم، تؤرقها نظرة المجتمع وتقلقها فكرة العنوسة، ثم يلح عليها هاجس الأمومة، فتحاول في مشهد مؤثر جدا إرضاع طفل زميلتها في العمل، لا لشيء سوى لمحاولة اكتشاف شعور أن كون أمًا.
الفيلم الذي تعرض في جانب منه أيضًا للواقع السياسي، لم يرحم الطبيبة “صبا مبارك” التي التقت مصادفةً خلال فعالية سياسية بزميلها الشاب وارتبطت به عاطفيًا لم ترحمها الأحداث، لتكتشف بعدها كم أنه نذل وجبان وخائن للقضية ويرتكب أفعالا متناقضة، حين تَعرف بالصدفة أنه عميل لأجهزة الأمن في صفوف المحتجين على سياسات الحكومة التي ترفضها نقابتها.
ثم يأتي المشهد المؤلم، الذي تضطر فيه الفتيات للاجتماع في صالة المطار للقاء “عريس ترانزيت” يصل المطار للمفاضلة بين واحدة منهن واختيارها للسفر معه فورًا، ليبرز السؤال: هل اللقاء العابر في المطار يكفي لاختيار حبيب؟ فيكون الجواب: لا.. لكن يكفي أنه مجرد زوج، ومع ذلك لم تنجح المحاولة وعُدن خاليات الوفاض.
تمامًا ككل القصص الواقعية، ينتهي الفيلم بحبكة غير تقليدية، تجيب عن عشرات الأسئلة التي تعتمل في عقل المشاهد حول السبب وراء وصولنا إلى هذه الحالة، وهي أن الفوضى الاجتماعية والأخلاقية هي السبب.
وأخيرًا فإن فيلم “بنتين من مصر” يكشف الوجه الآخر المخيف لظاهرة العنوسة، من خلال رصد صعب جدًا واحترافي لحركة الصراع الداخلي والانفعالات الخاصة بالشخصيات.
في السينما عمومًا، ينتظر المشاهد في نهاية العرض حبكة درامية كافية للإجابة عن السؤال: لماذا؟.. لكن في حالة كتلك حين نرصد ظاهرة مجتعية تؤرق أكثر من 12 مليون فتاة مصرية، نجد أنفسنا متورطين في متابعة حبكات متعددة منسوجة من الواقع الحياتي، لنجد أسئلة كثيرة دون إجابات: كيف، ولماذا، وإلى متى؟؟؟!.